محمد بن زكريا الرازي
81
المدخل إلى صناعة الطب ( إيساغوجي )
اللذين ليسا بناطقين أفعالا أخلاقية أعني بالجزئين اللذين ليسا بناطقين القلب والكبد والجزء الناطق الدماغ . وسوء المزاج يكون مرة في بطون الدماغ ومرة في العروق الضوارب المتفرقة في جميعه أو في الرطوبة المبثوثة في نفس جرمه أو يكون جرم الدماغ نفسه قد فسد مزاجه . فمتى رأيت النوم قد غلب على صاحبه غلبة كثيرة فإنك تفق بذلك على سوء المزاج الغالب عليه فينبغي أن تتفقد هل يستفرغ من المنخرين والفم شيء ينحدر من الرأس أم هذه المواضع من الرأس يابسة فإنك تستدل بذلك على رطوبة الرأس ويبسه ونقصان الأفعال قد يكون مع حمى بمنزلة ما يعرض من ذلك في السرسام الحار والسرسام البارد ويكون مع غير حمى بمنزلة ما يعرض من ذلك في الجنون وفي الوسواس السوداويّ . [ 8 - ونقول بعد : إنّ التشنج يكون من الامتلاء ومن الاستفراغ وذلك . . . ] 8 - ونقول بعد : إنّ التشنج يكون من الامتلاء ومن الاستفراغ وذلك أن الحركة الإرادية إنما يكون عندما يجذب العضل إليه الأعضاء التي يتّصل بها ولم يمكن أن يكون اجتذاب العضلة للعضو دون أن تتقلص العضلة وتنقبض إلى ناحية أصلها ومبدئها فالتشنج العارض هو ما كان بهذا الوصف من غير إرادة وليس يعسر أن يستدل على هذا الباب بما يظهر من الأجساد العصبية أعني أوتار العود التي ينقطع إما يبس أو رطوبة وذلك أن الرطوبة تبل الأوتار . فإذا ابتلت انتفخت انتفاخا خارجا عن طبعها فهذا السبب يعرض لها أن تتمدد . فأما اليبس فإنه كما نجده يفعل في السيور إذا جففته النار كيف يقبضها ويمددها فأنت تعرف أسباب التشنج هل حدث من رطوبة أو يبس متى رأيته حدث من تعب أو حر أو سهر أو تخم فتعلم أنه حدث من يبس العصب وإن حدث من راحة أو إمتلاء أو نحو ذلك علمت أنه حدث من رطوبة وكذلك الصرع أيضا إنما هو تشنج يعرض في البدن إلا أنه ليس بدائم ففقد تعلم أن الفاعل لهذه العلة هو خلط غليظ يسد منافذ الروح فيحرك مبدأ العصب وأصله حركة ارتعادية ليدفع عن نفسه الشيء الذي قد غشاه وأذاه وعسى أن